الشيخ محمد هادي معرفة
141
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وأنت إذا لاحظت المصاحف الأثريّة القديمة ، ( ولاسيّما في شرقي البلاد الإسلاميّة حيث محطّ الحضارة والعلم ) وقارنتها مع المصاحف الحاضرة ، المخطوطة والمطبوعة ، فإنَّك تجدها جميعا متّحدة في الأُسلوب والخطّ وثبت الكلمات في بنيتها وصورتها وما إلى ذلك . أما اختلاف الحركات فسوف نتعرّض له . كلّ ذلك دليل واضح على تلك الوحدة المتّفق عليها عند المسلمين جميعا في جميع الأدوار . الأمر الذي يكشف عن حرص هذه الأُمّة الشديد على حراسة كتابها المجيد . تحقيقا لمعجزة هذا الكتاب السماوي الخالد : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 1 » أي على يد هذه الأُمّة على مرّ الدهور وكرّ العصور ، فلم يزل ولا يزال باقيا ومحفوظا عن كلّ تغيير أو تبديل حتى يوم النشور . وإنّ اختلاف القرّاء - طول التأريخ - لم يستطع تغييرا لا في لفظه ولا في خطّه . فيالها من معجزة خالدة ، تبعث على اعتزاز هذه الأُمَّة بكتابها المحتفظ على نصّ الوحي الإلهي عبر الأجيال . وعليه فالمعيار لتعيين القراءة هي موافقتها مع النّص الأصل المحفوظ لدى عامّة المسلمين ، بشروط نعرضها في الفصل التالي ، وهناك نعالج مسألة تعارض الرواية أو اللغة مع القراءة المأثورة . وهنا سؤال : إذا كانت القراءة الحاضرة هي ماتعاهده المسلمون أُمّة عن أُمّة فما وجه نسبتها إلى حفص ؟ وسنتعرّض للإجابة على ذلك بأنّها نسبة مقلوبة ، وأنّ حفص هو الذي حاول الموافقة مع قراءة العامّة ، ومن ثمّ قال أرباب التراجم : إنّ قراءة حفص عن عاصم ترتفع إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام « 2 » ولاشك أنّ قراءته عليه السلام هي قراءة عامّة المسلمين المتواترة منذ العهد الأوّل . وسيوافيك تفصيل حلّ هذا الإشكال في فصل قادم .
--> ( 1 ) - الحجر 9 : 15 . ( 2 ) - معرفة القرّاء الكبار : ج 1 ، ص 117 .